ومضات تربوية
الدعاء وأبعاده


الدعاء وأبعاده
   إنّ فهم الناس للدعاء متفاوت على حسب مرتبة الداعي، فقد يفهم أحدنا –وربما أغلبنا- من الدعاء، هو أن الانسان إن احتاج الى شيء رفع يده نحو السماء وطلب ما يريد، وقد يحقق الله له مطلبه وقد لا يحققه، هذا هو المفهوم الأكثر انتشار عند عامة الناس.
    فيرى من كان في هذه المرتبة أن الدعاء هو باب لتحقيق المطالب لا غنى عنه. وقد يرى من ترقى عن هذه المرتبة، ان الله تبارك وتعالى يعلم بحالي ومآلي، وإنه سبحانه دائماً وأبداً يقدّم لي الأصلح في دنياي وآخرتي، وهو عظمت آلاءه أرأف عليَّ من نفسي، فلماذا أدعوه؟ وهل استبطائي لعطائه إلا سوء ظنٍ مني بكرمه وحكمته؟.
    أقول: إن نظرنا الى الدعاء من بعض جهاته قد نرى أن هنالك مزايا أخرى للدعاء غير مقتصرة على المفهوم الأول الساذج وغير منافية للفهم الثاني في بعض جوانبها، ثم ان اسلوب الدعاء قد يختلف من داعٍ الى آخر، لكن النتيجة واحدة، وهي أن كل من رفع أكفه للسماء أخذ وإن توهم غير ذلك، لأن الكريم لا يرد يداً بُسطت إليه، سواء كانت تلك اليد يد المقال أو يد الحال أو يد التسليم أو يد اليقين.
   فليس الدعاء هو أن يجأر العبد بمطلوبه لله تعالى والله قد يعطيه وقد لا يعطيه، والأغلب أنه لا يعطيه!! بل الدعاء باب أوسع مما نتصور، باب رُتِبت على أعتابه مسائل وأمور تحفظ التوازن الايماني للعبد وتزرع في نفسه بعض البذور المعنوية التي منها ما تأخذ مسراها دون شعور العبد، والأخرى إن رعاها العبد أتت أُكلها.
  فليس التوجه لله سبحانه توجه احتمالي، وليس الوقوف ببابه كالوقوف على أبواب السلاطين والأغنياء، بل ولا كالوقوف على باب أبيك وأخيك وعشيرتك التي تأويك، إنما وقفتَ على باب مَن أوجد أبوابه من أجل أن تقف عليها ولولاك لما جعل له باباً، لذا فكل من وقف على باب الكريم أخذ من كرمه، فإن لم يكن بتحقيق دعاءه فمن ملازمات الدعاء والتي غالباً ما تكون أكثر نفعاً للداعي من بغيته، والتي منها لا على سبيل الحصر:
أولاً: إن دعاء العبد لربه هو ذكر لله تعالى من ذلك العبد، فيثيب الله سبحانه ذلك العبد على ذكره إياه.
ثانياً: هو توجُهٌ كليٌ لقبلة التوحيد الحقة، فإن الداعي حين دعائه سيتوجه بحقيقته، بنفسه وقلبه وروحه وعقله لله تعالى، وربما يكون توجهه حين الدعاء أقوى من توجهه حين العبادات الواجبة.
ثالثاً: إن في الدعاء طَرقٌ لباب التوحيد في الطلب، لأن الداعي أسقط كل ما دون الله تعالى في طلبه، ولم يلتفت الى غيره، وهذا من التوحيد الفعلي للواحد الأحد جل جلاله.
رابعاً: هو تفعيلٌ للثقة وحسن الظن بالمعطي سبحانه، فتخرج ثقة العبد بربه من حيز الاعتقاد الى حيز التطبيق.
خامساً: إن في الدعاء انصياع للأمر الإلهي العام الذي هو (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)[غافر اية 60] فلو أن العبد توجه لربه بالدعاء لأجل الانصياع لأمر ربه فقط، لارتقى بمستوى طاعته لمولاه الى مرتبة دقيقة.
سادساً: إن ما يلازم الدعاء من الالتجاء لله تعالى هو سدٌ لنقص الالتجاء إليه في بقية العبادات.
سابعاً: إن التوجه لله جل شأنه بالدعاء، بأي مرتبة كانت هو إقرار بنقص العبد وغنى الرب سبحانه، وبالتالي إقرار بعبودية العبد وربوبية الحق سبحانه.
ثامناً: إن الدعاء هو تفعيل وتقوية للإيمان بالغيب والتحرك به من مرتبة العلم الى مرتبة العمل.
تاسعاً: هو أسلوب من أساليب توحيده وتفريده بالقدرة على تحقيق بغيتي وقضاء حاجتي، وتسقيطٌ لغيره ممن قد يوهمني بقدرته على ذلك، فيكون مَصبُّهُ تسقيط الشريك في القدرة، وإن كان في هذه المفردة الجزئية.
فكل هذه المفردات وغيرها هي من العطاء الملازم لحال الدعاء، وإن كان الداعي غافلاً عنها، لكنها محسوبة عند الحق سبحانه.
ففتح باب الدعاء من قبل الحق سبحانه هو فتحٌ لأبواب العطاء وليس لباب تحقيق المطالب فقط.

-وله المنّة-


جديد قسم : ومضات تربوية

إرسال تعليق